سلسلة التربية عبر التاريخ – الحلقة 16
✍🏻 بقلم: د. عبدالقوي القدسي
تمهيد:
في زمن العولمة، وسرعة الاتصال، وانفتاح الثقافات، لم يعُد الطالب محصورًا في حدود دولته أو محتوى منهجه الوطني فقط، بل أصبح جزءًا من نسيج عالمي واسع، يتعلم من تطبيقات رقمية أمريكية، ويقرأ لكتّاب يابانيين، ويشاهد معلمين من دول مختلفة.
أمام هذا الواقع، يبرز تساؤل جاد: هل المدارس الوطنية كافية لإعداد هذا الطالب؟ أم أن الزمن يتجه نحو نموذج “الطالب الكوني” الذي يحتاج تعليمًا يرقى إلى مستوى الإنسانية جمعاء؟
من التعليم الوطني إلى التعليم الكوني:
النماذج التعليمية الكلاسيكية وُضعت في سياقات محلية، تخدم دولة أو ثقافة معينة. لكنها اليوم تصطدم بحاجات جيل يتعامل مع محتوى عالمي، ويتهيّأ لسوق عمل لا يعترف بالحدود.
ومن هنا تظهر الحاجة إلى نموذج تعليم كوني:
- لا يذيب الهويات، لكنه لا يجعلها حاجزًا.
- لا يفرض دينًا، لكنه يربّي على احترام الأديان.
- لا يستنسخ ثقافة واحدة، لكنه ينتقي القيم المشتركة من كل الثقافات.
التعليم الكوني: توازن لا هيمنة
التعليم الكوني لا يعني ذوبان الدول الضعيفة ولا طمس هويتها. بل هو سعي حقيقي لتأسيس نظام تعليمي عالمي يعزز التعايش والتسامح دون هيمنة طرف على آخر.
وبدل التركيز على تفاصيل العقائد أو الصراعات التاريخية، نُدرّس القيم التي تتقاطع فيها الأديان: الرحمة، الأمانة، العدالة، الصدق، واحترام الإنسان.
بهذا، يكون الدين شأنًا خاصًا، لكنه محترم. وتُدرس الثقافة الدينية بوصفها حاضنة للقيم المشتركة، لا ساحة للصراع.
نحو رؤية تعليمية جديدة:
نحن بحاجة إلى تعليم يجعل الطالب يؤمن بأن جميع البشر إخوة في الأصل والكرامة، وأن اختلافهم لا يعني التصادم، بل فرصة للفهم والنمو.
وإذا أردنا تصميم مناهج لهذا التعليم:
- نُراعي فيها الخصوصية الثقافية لكل مجتمع، دون أن نجعلها سجنًا.
- نُدمج فيها اللغة العالمية، والتقنية، والمهارات الإنسانية.
- نُتيح فيها مسارات تُمكن الطالب من استكشاف ذاته وهويته مع احترام الآخرين.
قصص واقعية تعزز الرؤية:
في إحدى تجاربي التدريسية السابقة في ثانوية عبد الناصر بصنعاء، كنت أُدرّس مادتي القرآن الكريم والتربية الإسلامية. كان يُسمح للطلبة غير المسلمين بعدم حضور هذه الحصص، لكن أحد الطلاب المثابرين حضر معي منذ بداية السنة حتى نهايتها، دون أن يُظهر تذمرًا أو انسحابًا. لاحقًا، علمت من زملائه أنه غير مسلم، بل مسيحي مصري، ومع ذلك حضر وتفاعل وقرأ القرآن، وأدى الاختبارات وحقق نتائج متميزة. وحين تواصلت مع والده، قال: “أنا واثق أن ابني لن يتعلم من الإسلام إلا كل ما هو جميل.”
وتكررت الصورة نفسها في ماليزيا، إذ تقدمت إلينا أسر غير مسلمة لتسجيل أبنائها في مدرسة المعرفة الدولية، رغم معرفتهم المسبقة بأن المدرسة تقدم مقررات إضافية في التربية الإسلامية واللغة العربية. وكان جوابهم: “وما المانع أن يتعلم أبناؤنا هذه الثقافة الراقية؟”
هذه النماذج الواقعية تُثبت أن القيم الإنسانية الحقيقية قادرة على اختراق الحواجز الثقافية والدينية، وأن التعليم الكوني ليس نظريًا، بل ممكن التحقيق حين تتوفر الرؤية والنية الصادقة.
منصة تعليمية كونية: حلم قابل للتطبيق
يمكن البدء بمشروع مدرسة أو منصة رقمية في ماليزيا، تفتح أبوابها لكل طالب من أي دين أو جنسية. وتُدرّس مناهج مصممة على أسس إنسانية، تُدرّب المعلمين على التربية الكونية، وتُقدّم موادًا تعليمية تُعلي من قيمة الإنسان، لا تعصّبه.
المحتوى الديني يُقدَّم كمسارات اختيارية، بينما تكون القيم والتربية المشتركة هي القاعدة.
ختامًا:
الطالب الكوني ليس متخليًا عن دينه أو لغته، بل هو إنسان يعرف كيف يعيش مع المختلف، ويصنع لنفسه طريقًا لا يتصادم مع الآخرين.
إنه الطالب الذي يحتاجه المستقبل: متصالح مع ذاته، منفتح على العالم، حامل لرسالة لا تُقصي أحدًا.