سلسلة التعليم عبر التاريخ – الحلقة السادسة
د.عبد القوي القدسي
مدخل
على مدار قرون، ظل التعليم حكرًا على النخب الدينية والسياسية، وسيلة للتميّز الطبقي لا أداة للتحرر أو التنمية. لكن مع بزوغ الثورة الصناعية في أوروبا، تغيّرت الصورة بالكامل. أصبح التعليم حاجةً اقتصادية، ثم تحوّل إلى حقّ إنساني. وبين هذين التحولين، نشأت المدرسة الحديثة.
التعليم قبل الثورة الصناعية: ترف لا ضرورة
قبل القرن الثامن عشر، اقتصرت فرص التعليم على طبقات محددة: رجال الدين، النبلاء، وأبناء الأثرياء. لم تكن هناك مدارس عامة، وغالبًا ما ارتبط التعليم بالمؤسسات الكنسية أو الرعاية الخاصة.
وكانت الغالبية الساحقة من السكان أميين، لا يرون في التعليم فائدة عملية لحياتهم الزراعية أو الحِرفية.
“لم يكن من المتوقع أن يتلقى الأطفال من الطبقات الدنيا أي نوع من التعليم الرسمي في أوروبا قبل القرن الثامن عشر.”
(Lawson & Silver, 1973)
الثورة الصناعية: الحاجة إلى عقل متعلم
مع اختراع الآلة وتوسع المصانع، ظهرت حاجة ملحّة لعمال متعلمين قادرين على تشغيل الآلات، وفهم التعليمات، والتعامل مع الحسابات.
بدأت بعض الدول الأوروبية، مثل بروسيا (ألمانيا)، بإقرار التعليم الإلزامي في أوائل القرن التاسع عشر.
وفي بريطانيا، صدرت قوانين التعليم الإجباري بدءًا من عام 1870م، تلتها فرنسا والولايات المتحدة وغيرها.
“أدت الثورة الصناعية إلى توسيع التعليم العام كوسيلة لضمان إنتاجية القوة العاملة واستقرار المجتمعات الصناعية.”
(Green, 1990)
من النخبة إلى الشعوب: المدرسة كمؤسسة وطنية
تحوّلت المدرسة الحديثة إلى أداة لبناء الدولة الحديثة، يتم من خلالها غرس قيم الانضباط، والانتماء، والتفكير المنطقي.
وبعد الحرب العالمية الثانية، كرّس الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) هذا التحول بنصه على أن:
“لكل شخص الحق في التعليم… ويجب أن يكون التعليم الابتدائي إلزاميًا ومجانيًا.”
(UNESCO, 2020)
ماذا عن العالم الإسلامي خلال هذه المرحلة؟
في العالم الإسلامي، تراوحت استجابات الدول تجاه التحول الصناعي والتعليمي. في ظل الدولة العثمانية، تأسست مدارس “الرشدية” و”الصناعية” لتلبية الحاجة إلى موظفين وتقنيين مدربين، خاصة في أواخر القرن التاسع عشر.
وفي مصر، شهد عهد محمد علي (1805–1848) ثورة تعليمية مبكرة، حيث أُرسلت البعثات إلى أوروبا، وأُنشئت المدارس العسكرية والطبية والهندسية، في محاولة للحاق بركب التقدم الصناعي الغربي.
لكن هذه المبادرات، رغم أهميتها، بقيت محصورة إلى حد كبير داخل الإطار الرسمي ولم تصل إلى عامة الناس، إلا في مراحل لاحقة من القرن العشرين.
“أدرك محمد علي أن بناء جيش حديث يتطلب نظامًا تعليميًا عصريًا، فأسس المدارس وأرسل البعثات إلى فرنسا.”
(Holt, 1986)
خاتمة
لقد مثّلت الثورة الصناعية نقطة التحول الحاسمة التي نقلت التعليم من أروقة النخبة إلى رحاب الجماهير. ومنذ ذلك الحين، بات التعليم حجر الزاوية في بناء المجتمعات الحديثة، وأحد أهم مؤشرات النهضة والتنمية والعدالة.
المراجع
المراجع (APA Style)
• Green, A. (1990). Education and State Formation: The Rise of Education Systems in England, France and the USA. Palgrave Macmillan.
• Holt, P. M. (1986). Egypt and the Fertile Crescent, 1516–1922: A Political History. Cornell University Press.
• Lawson, J., & Silver, H. (1973). A Social History of Education in England. Methuen.
• Mokyr, J. (2009). The Enlightened Economy: An Economic History of Britain 1700–1850. Yale University Press.
• UNESCO. (2020). Right to Education: Human Rights Fact Sheet No. 33. https://unesdoc.unesco.org/