• 0

    سلة المشتريات

تاريخ التعليم في العالم العربي: من الأروقة إلى المدارس

سلسلة التربية عبر التاريخ – الحلقة 12
بقلم: د. عبدالقوي القدسي

تاريخ التعليم في العالم العربي: من الأروقة إلى المدارس
سلسلة التربية عبر التاريخ – الحلقة 12
✍🏻 بقلم: د. عبدالقوي القدسي

مدخل: التعليم كركيزة حضارية

شكّل التعليم عبر العصور حجر الزاوية في بناء الحضارات. وفي العالم العربي، كان له مسار فريد بدأ في المساجد والأروقة، ثم تطوّر إلى مدارس نظامية ومؤسسات حديثة. هذا المقال يتتبع التحولات المفصلية التي مر بها التعليم العربي من حيث الشكل والمضمون، ويحلل العوامل التي أثرت في مراحله المختلفة.

من المسجد إلى الرّواق: التعليم الديني في العصور الأولى

مع بزوغ فجر الإسلام، برز المسجد كمركز للعلم والتعلّم. لم تكن هناك مدارس نظامية، بل حلقات علمية حول العلماء في المساجد الكبرى كـ مسجد المدينة والجامع الأموي، حيث يُدرّس الحديث والفقه واللغة والتفسير.

في العصور العباسية، برزت الأروقة، وهي زوايا داخل المساجد تُخصص للطلبة الوافدين، ومنها جاء مفهوم “الرواق المصري” و”الرواق المغربي” في الجامع الأزهر، الذي أُسس عام 970م، واعتُبر من أوائل المؤسسات الجامعية الإسلامية (Makdisi, 1981).

المدارس النظامية: ظهور التعليم المنهجي

مع القرن الخامس الهجري، ظهر شكل جديد من المؤسسات التعليمية: المدارس النظامية، نسبة إلى الوزير السلجوقي نظام الملك، الذي أسس أول مدرسة نظامية في بغداد عام 1065م.

تميّزت هذه المدارس بـ:

مبانٍ مخصصة للتعليم

رواتب للمعلمين

نظام داخلي للطلاب

منهج محدد يشمل الفقه، اللغة، المنطق، والتفسير

وكان لهذه المدارس دورٌ محوري في نقل العلوم الإسلامية والفكرية ضمن أطر منظمة ومنهجية (Rosenthal, 1970).

 التعليم في العهد العثماني: الجمود والتحول

خلال العهد العثماني، استمرت المدارس الدينية (الكتاتيب، والزوايا، والمدارس الشرعية)، لكنها تراجعت من حيث التجديد والتطوير، مع غياب المناهج العلمية المعاصرة. التعليم ظل حكرًا على الطبقة الدينية، ما خلق فجوة معرفية بين العالم العربي والغرب الذي بدأ ثورته الصناعية والعلمية (Hourani, 1991).

التعليم الحديث: النهضة والتغريب

في القرن التاسع عشر، ومع احتكاك العرب بالغرب من خلال الحملات العسكرية والاستعمار، بدأت محاولات تحديث التعليم. أنشأت مصر الخديوية مدارس مدنية وعسكرية، وأرسلت بعثات علمية إلى فرنسا، كما فعل رفاعة الطهطاوي.

وفي بدايات القرن العشرين، ظهرت الجامعات العربية الأولى، مثل:

الجامعة الأمريكية في بيروت (1866)

الجامعة المصرية (1908)

جامعة دمشق (1923)
(Heyworth-Dunne, 1939)

 التحديات المعاصرة

رغم التوسع في البنية التحتية التعليمية، يعاني التعليم العربي حاليًا من عدة إشكالات:

ضعف الجودة

غياب التفكير النقدي

مركزية القرار

فجوة بين المناهج وسوق العمل

وتدعو اليونسكو إلى إصلاحات شاملة تهدف إلى تعليم أكثر عدلاً ومرونة وتمكينًا لكل متعلم (UNESCO, 2022).

خاتمة: أي مستقبل للتعليم العربي؟

إن فهم جذور التعليم العربي يساعد على رسم مساره المستقبلي. وبين ماضٍ ثريّ بالتجارب، وواقعٍ يتطلب إصلاحًا عميقًا، تقف الأمة أمام خيار مصيري: إما أن تُعيد بناء نظمها التعليمية على أسس المعرفة، الحرية، والعدالة، أو أن تظل رهينة الجمود.

المراجع:
Makdisi, G. (1981). The Rise of Colleges: Institutions of Learning in Islam and the West. Edinburgh University Press.

Rosenthal, F. (1970). Knowledge Triumphant: The Concept of Knowledge in Medieval Islam. Brill.

Hourani, A. (1991). A History of the Arab Peoples. Harvard University Press.

Heyworth-Dunne, J. (1939). An Introduction to the History of Education in Modern Egypt. Luzac.

UNESCO. (2022). Reimagining our futures together: A new social contract for education. https://unesdoc.unesco.org/ark:/48223/pf0000379707

error: المحتوى محمي !!